مارون الراس
هي لحظة تجلٍِ سماويٍ توازي "إنِّي أنا الله" استمرت مابين 48 ساعة وقيل ستة أيام.. بين 18 جنوبي ومئات الصهاينة بطائراتهم في الجو ومدرعاتهم على الأرض .. لكن كم غيَّرت هذه اللحظة لحظة مارون الرَّاس.
هل هناك حياة بعد العمل؟
ياعمّال العالم... انتحروا!
 عامل في سوق االمنامة- العاصمة البحرينية
 

ضحى شمس (الأخبار- 1 مايو)

 على حين غرّة، يخرج التعب أشكالاً وألوانا من أجسادنا: دموع لمناسبة سخيفة، غضب لأتفه الأسباب، مزاجية تشلّك كطقس متقلّب. تفكر: ما الذي أريد أن أفعله اليوم؟ اليوم الوحيد الذي يحقّ لك فيه أن ترتاح خارج الدوام. تكتشف أن حياتك الاجتماعية انتهت منذ فترة. لا يرن الهاتف يوم السبت فيما هو لا يكلّ عن الرنين أيام الدوام الطويلة الطويلة. تقف حائراً ماذا تفعل: ترتيب المنزل المهمل؟ ملء البراد الفارغ؟ زيارة الأهل الذين ما زالوا يندهشون منذ 14 عاماً بأنك تداوم يوم الأحد؟ وماذا عن الأصدقاء؟ تتراكم المهمات بتفاصيلها المنتظرة أن تنجزها، لدرجة لا يعود لديك، لارتباكك أمام ضخامة حجمها، رغبة في البدء بأي شيء. الإرهاق شديد لدرجة أنك في المساء لا تفعل شيئاً غير التمدّد والبحلقة بالسقف، والصلاة أن لا يطلب منك أي شخص أي شيء. أن لا ترفع سماعة الهاتف حتى لترد على «صوت عم بيقول مسا الخير»، كما تقول فيروز. يتعدى العمل، الذي اخترته وكنت شغوفاً به، على حياتك. يتحوّل من نعمة إلى نوع من لعنة توراتية عقاباً على خطيئة ما أولى. يصبح تعريف الجنة أن لا تقوم بشيء. أن يأتيك رزقك وأنت نائم. تفكر في أن ذلك لا شك أمر مملّ لدرجة قاتلة. لا يمكن الجنّة أن تكون هكذا. يملأ عملك رأسك بتفاصيل تلحق بك إلى السرير. وحين يحين موعد الاستمتاع بصحبة ما، تجد نفسك تتكلم عن العمل. وحتى حين يتكلم الآخرون عن أي موضوع، تجد نفسك تعلق بما تملكه يمين ذاكرتك: آه... لقد كتبنا مقالة عن هذا الموضوع، ثم تسرح بالكلام حتى تتنبّه أن عيون محدّثك اصبحت «غائمة» من الشرود. كأنها تقول: رجعنا للحديث نفسه!

ما الذي يبقيه العمل اليوم لنا من حياتنا؟ وكيف تحولنا إلى آلات منتجة، تتعطّل شيئاً فشيئاً لكثرة وسوء الاستعمال، ويسوء إنتاجها شيئاً فشيئاً للأسباب نفسها؟ عالمنا اليوم مصاب بسوء العمل، تماماً كما يصاب الناس بسوء التغذية. بطون أرواحنا منتفخة كبطون أولاد أفريقيا الجائعين. الانتفاخ ليس دليل شبع. الانتفاخ دليل سوء تغذية. لهذا تبرز عظام بقية الجسد فيما تنتفخ نقطة واحدة منه. لو كانت أجسادنا تترجم حالنا في أعمالنا لكانت هذه صورتنا. حياتنا الاجتماعية برزت عظامها، عقولنا أيضاً ومشاعرنا: لا نقرأ إلا ما يمتّ إلى عملنا بصلة. نمضي ستة أيام بوتيرة تفوق الساعات العشر مع أشخاص لم نخترهم. أشخاص ما إن نترك العمل حتى تنفض صحبتهم. الكثير من العمل لقليل من الرزق والأمان والرضى.

وفوق ذلك، نخاف أن نفقد أعمالنا. أعمالنا السيئة الظروف التي نرضى بها لشدة خوفنا. عمال اليوم كفئران مذعورين في مختبر يجرب القدرة على التحمل. يسيطر الخوف على عالم العمل اليوم: الخوف من فقدانه، من أرباب عمل متفاقمي الشراسة حتى في أكثر البلاد منعة نقابية. أما النقابات، فكأنها لعجزها تقول لهم: يا عمال العالم.. انتحروا.

 

 

مارون ناقلاً.... عيد العمال  2009



أضف تعليقا

اضيف في 17 مايو, 2009 01:22 ص , من قبل noono111
من البحرين said:

هل اعتزل مارون التدوين؟؟؟؟!

اضيف في 11 نوفمبر, 2009 10:11 م , من قبل fatimaabbas
من البحرين said:

مرحبا أستاذ مارون

هذه المدونة لست ككل المدونات، أكاد لا أرى كلمة " تجل سماوي " حتى يأخذني موج الذكريات إلى حيث كنا أنا والشقيقة رباب أحمد في أروقة الجامعة نتسابق على التعليقات و الثورة التدوينية لعالم جيران .
لعل صاحبها قد اعتزل التدوين و انا هنا لأنفض الغبار
كن بخير
فاطمة عباس

اضيف في 12 نوفمبر, 2009 01:08 ص , من قبل مارون
من البحرين said:

أهلين فاطمة عباس، شكرا جزي لك
قصة توقفي عن التدوين ربما تكون مضحكة
لكن في النهاية أنا توقفت
زلت أمرّ هنا وأقرأ... أضحك حيناً، وتارة اشعر بأني واقف على ساحل ينشر الماضي وينشر مكنوناتي ومكنونات من تعاقبوا هنا
الآن لا أدري لماذا أنا متوقف،،

شكرا لك ولرباب

اضيف في 12 نوفمبر, 2009 06:18 م , من قبل noono111
من البحرين said:

مقلق ردك يا مارون حد السراب
هل يمكن أن أصل أنا لما وصلت إليه! كيف وهي لغتي، وأنا لغتي
كلما وجدتني خارجني، هرعت لها ....

تحايا بمدى الياسمين



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية