
بعد خروجي من المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في البحرين يوم السبت الماضي، تواصلت المحادثات الهاتفية بيني وبين الصديق الصدوق محمد عبدالله، تحدثنا عن تفاصيل الزيارة، ومدلولاتها سياسيا واقتصادياً..
ولمن لا يعرفه، فالصديق محمد هو كاتب متخصص وباحث جاد في الشئون الإيرانية، ويكاد يكون هو الأوحد "هنا" في هذا التخصص، لذا فإن مضامين مقالاته، أو الحديث معه عن الشأن الإيراني، ليس أمراً من قبيل الترف أو استعراض المعلومات..
كانت آخر محادثة بيننا، قبل أن آوي إلى النوم، اتفقنا إن زيارة نجاد كانت مهمة جداً، ذات مداليل محلية وإقليمية هامة، رغم قصر مدتها (خمس ساعات)، إلا انه تم توقيع اتفاقية واحدة، ومذكرتي تفاهم، أهمهما تعلن بدأ مفاوضات بين البلدين بشأن تزويد إيران للبحرين بمليار قدم مربع من الغاز الطبيعي يوميا..
بيد أن الجملة التي اختتم بها محمد المكالمة، قلبتني رأساً على عقب، تركني، وآوى هو إلى نومه، تركني ساهراً لما بعد الثانية فجراً، ما قاله في ختام مكالمته معي"البحرين كانت ايجابية جدا مع زيارة نجاد، واستقبلته استقبالا بهيجاً ذا فخامة وأبّهة"..
هذا الاستقبال أراح نفسيات كثيرين في الداخل البحريني، وأتعب نفسيات أخرى..
فكرت كثيراً في هذا الترحيب الرسمي "البهيج والفخم"، قرأت ما كتب عن الزيارة، حتى يوم أمس (الأحد) نص البيان الصادر عن جلسة مجلس الوزراء على ما يلي:
"نوه المجلس في مستهل اجتماعه بالأصداء الايجابية الطيبة التي تركتها زيارة فخامة الرئيس الدكتور محمود أحمدى نجاد رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى البلاد والتي عززها تقارب وجهات النظر في المباحثات التي أجراها جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المفدى حفظه الله مع فخامة الرئيس الإيراني".
كما أكد البيان على" أهمية تمتين أواصر العلاقات البحرينية الإيرانية في مختلف المجالات مرحبا المجلس بالتوقيع على الاتفاقيات التي جرت خلال الزيارة لما لها من أثر في تحقيق مصالح البلدين وفتح آفاق جديدة للتعاون بينهما".
**
بعد هذا البيان قررت الكتابة عما يجول بداخلي منذ المكالمة الأخيرة يوم أن مر نجاد من هنا..
بالطبع لست مثل الصديق محمد، عليماً بالملف الإيراني المتشابك والمعقّد..
فأنا أعتبر نفسي: محليّ الهوى، ومغرق في ذلك..
ومن زاويتي المحلية، أرى نفسي مختلفاً عن رأي الصديق المتخصص..
إذ أشعر بالامتعاض والاشمئزاز من السلطة البحرينية بسبب استقبالها ( البهيج والفخم) لأحمدي نجاد!.
بجد وتأكيد، أنا فعلاً مستاء حتى النهاية، وأرى أن ذلك ما كان يجب أن يكون أبداً..
و لو أن السلطة لدينا تستحي لما فعلت ذلك!..
لكني..
ممتعض أيضاً لأن كثيرين منّا لا يقرؤون الحوادث والحركة التي تجري أمامهم..
ممتعض من الوهم المصطنع الذي يغرق واقعنا..
ممتعض من التجارة التي فتحها هذا الوهم واعتاش عليها مروجوه..
أما لماذا الاعتراض على السلطة البحرينية لاستقبالها ( البهيج والفخم) لأحمدي نجاد؟..
إن هذه الزيارة عرّت واقعنا وكشفت قبحه..
كشفت كم هي السلطة قبيحة وقحبة!..
كشفت لمن في رأسه عقل وعينين وأذنين، إن ما كنا نعيشه قبل زيارة نجاد ليس واقعاً..
بل وهمٌ لا يقل عن وهم الحشاشين بما يرونه حين شرابهم للحشيش..
**
:الواقع المتخيّل..
البحرين دولة لا تخلو صحفها ومنتدياتها الالكترونية، من المبارزات الطائفية بين الشيعة والسنة يومياً..
وتعيش كل جماعة وهي ترصد تحركات الأخرى، سوء الظن غالب وغلاّب..
يشكو الشيعة من التهميش البيّن الظالم..
وينظرون شزراً للسنة (المتنعمين بالمناصب والامتيازات)..
السنة خائفون من مطالبات الشيعة، التي إن نجحت فإنها ستطال أول ما تطال مناصبهم وامتيازاتهم!..
"إيران على الخط"، "الشيعة يوالون إيران ويريدون إحضار نفوذها إلى هنا"، عبارات يومية تقال بألف طريقة وطريقة..
السلطة ورجالاتها، يؤكدون هذه المخاوف للسنّة يوميا، ويؤكدون أن "الخطر داخلي من الشيعة"، و" خارجي من إيران"..
بل إنني سمعت مثل هذا الكلام في مجلس أحد الكبار في الدولة..
**
والآن بعد زيارة نجاد، يتبين لمن يرى أن واقعنا، كذب X كذب..
وأن أمثال : جاسم السعيدي، وعادل المعاودة، ومحمد خالد، وصلاح علي، إنما هم مسوّقين للوهم والكذب..
مروجين لمشروع ضرب الوطن والمواطنة الذي يقوده بلا خوف وزير الديوان الملكي الذي يأمر وينهى في هذه المملكة..
تُبيّن بجلاء، أن الخطر الإيراني ما هو إلا فزّاعة، لإخافة طوائف البلد من بعضها البعض..
وما هو إلاّ خيال مآتةٍ لإرعاب طيور "التقارب" بين الشيعة والسنة..
وما هو الا وسيلة العيش الوحيدة للسلطة البائسة في البحرين..
وهو العصا التي تهشم من يطالب بالحقوق معنويا ووطنياّ!.
وهو وقود الحكم، وسيفه، وترسه، بل هو دمه الجاري في عروقه وسر حياته..
إذن:
إيران ليست خطراً، حينما تعلق الأمر بموضوع (استراتيجي)؟..
أليست إيران خطرا، حينما تحتاج مشاريع حكامنا التجار للطاقة؟..
وهي ليست خطرا، حين يتعلق الأمر بـ (الدولة وقدرتها على تلبية احتياجات البقاء والنمو)؟..
صارت إيران جارة، بل ومسلمة!..
وتحدث الملك في خطابه عن علاقات تاريخية ممتدة مع إيران..
وعن مصالح مشتركة..
إذن أين الخطر، وانتم تأمنون أن يأتينا شريان الطاقة من عند " العدو"؟!!!..
ألا تخافون أن تقطع إيران شرياننا يوماً ما؟!. كما فعلت روسيا بأوكرانيا قبل مدة؟!..
الخلاصة: مزاعم الخطر الإيراني، مزاعم فقدت صدقيتها، وفقد المروجون لها آخر قطرة تحملها شحنات هذه المزاعم..
ليت شعري، ويا لقراءتي البائسة للزيارة..
لم يكن يوجد ضوء أحمر أميركي لعدم التقارب البحريني الإيراني، ولم تكن ثمة هواجس محلية جديّة..
إلا أن سلطتنا جعلتنا مدمنين على حشيش وهيروين الخوف والقلق الطائفي..
فرقت بيننا، ومزقتنا طولا وعرضا..
بمباضع وبرجال ليسو برجال أمثال السعيدي وبقية (الخمّة)..
كل ذلك يجري لأجل أن تبقى السلطة قوية، ولأجل أن تظل المطالب الشعبية مؤجلة، في إنتظار "التقارب"، و"الوحدة" بين أبناء الشعب، وبالطبع هذا لن يحدث فالجراحات يومية، والنزف مستمر ..
لقد سقطت ورقة التوت ..
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..
مارون مُمزًّقاً!
19- 11- 2007
* ملاحظة: لقراء مقال محمد عبدالله "منشوراليوم" عن زيارة نجاد (إضغط هنا)







said:

said:



said:
said:





من البحرين