
لحظة فاصلة، ومنعطف حاد، هذه خلاصة اختمار الأفكار في رأسي، وتلاطمها فيّ، وقرعها لكل أجراس العقل والروح.
يزحف عمري في العقد الثالث، لكني كما الكثيرين لا زلت أرفض أن أًنزِلَ هذه الحقيقة منزل اليقين في فؤادي المضطرم.
تناقضٌ جلست ليال تقترب من عدد ليال الشهر القمري لتفكيكه وحلّه، ولد القمر وصار بدراً وتناقص كالعرجون القديم حتى مات، وها قد عاد ليولد قمر شهر جديد، وأنا لا أزال أحاول مطابقة واقعي مع مشاعري الحالمة، الأمر يبدوا من الاستحالة، كاستحالة إفراغ البحر في كأس صغير.
حالمٌ أنا، وهذه هي المشكلة، هكذا أرى نفسي، وهكذا يراني أعز الأصدقاء: مرهون، محمد عبدالله، عادل مرزوق، عبدالإمام، حسين منصور، ندى الوادي، عارف، راشد، والديري، عقيل ميرزا، وباسمة، وآخرون ..
أعترف بمأزقي، لكن كيف لي أن أشرح وأن أدافع وأنا أعترف!.
أعترف أن مقاومتي العنيفة للإقرار واليقين، هي أن الإقرار والتنازل عن الحلم، سيخلف خيبة في صدري، ويعرف ألم هذه الخيبة من أعلنوا يأسهم وتوقفهم عن الحلم..
مشكلتي:
إنني أعرف – كما الكثيرين ممن لا يعترفون- وأعلن بأني أحاول وصل سنيّ المراهقة بسنيّ حياتي الباقية، أحاول أن أجر اللحظات خارج حدودها، أحاول أن أستبقي طعم المرح والانطلاق والرغبة والحب واللهفة والشوق إلى الأبد، أحاول إيقاف الزمن في اللحظات التي اخترتها،... وهذا محال!.
توصلت إلى هذه النتيجة، وكانت البارحة آخر ليلة أفكر فيها، وصلت الليل الذي نمت نصفه الأول بالصباح،
مشيت مع الضباب الخفيف، إلى مشارف الحي الذي ولدت فيه، تصفحت وجوه الرجال والنساء المتجهين لأعمالهم، رأيت الكثيرين وقد هدّ الزمن وجوههم وهدّل خدودهم..
سألت نفسي: هل أنا مثلهم؟، وهل هم مستسلمون أم لا زالوا يحلمون؟. بيد أن الإنطفاء كان واضحا في وجوه بعضهم، فيما أحتفظ آخرون ببعض البريق حتى اللحظة.
وقفت على باب منزلنا الأول، حدقت في الممر الضيق الموصل إليه، أخذتني قدماي حتى المزرعة التي كان يستأجرها زوج أختي رحمه الله، أصبح يحيطها الآن سور عالٍ يحجب مروجها عن الأعين..
أتذكر جيدا تلك المروج الخضراء الغنية، كانت تُنبت اللوز، والرمان، والتين، والتوت، والخيار، والطماطم،
أتذكر المرات التي جرحت أشواك أشجار الورد المحمدي -كما نطلق عليه- يديّ الصغيرتين، أتذكر أول لسعة حارة تذوقتها من دبّور برتقالي على كتفي الأيمن.. أتذكر مراراً اختلاط قطرات دمي بأديم المزرعة..
فكرت في أن أتسلق السور والنظر إلى المزرعة الخضراء، تراجعت عن الفكرة، لعدم ملائمتها لما بت فيه من سن، عدت لمنزلنا الأول القريب صعدت فوقه ونظرت... لكني لم أجد المروج الخضراء، لقد تمت إزالة معظم المروج، ورُصِفت طرق تمر من فوقها سيارات فاخرة لبعض الفلل التي تحيط بها مساحة خضراء وبعض أشجار نجت من المجزرة!.
عدت ألفّ ممرات الحيّ، أنقر فوق ترابه بقدمي، كما كنت أفعل سابقا، ابتسمت وأنا أمرّ على منزل السيد حميد رحمه الله، الذي تعلمت على يد زوجته قرآءة القرآن، السيدة جليلة هكذا كان اسمها، وأنا أجهل إن كانت هذه السيدة الفاضلة على قيد الحياة أم لا.
انتهت جولتي، وبدأت محاولةً للإفاقة من الحلم، وإنزال اليقين إلى قلبي، حاولت أن أبلسم بعض جراح الخيبة في صدري..
وها أنا مجددا أسأل نفسي وكل من ذكرت أسماؤهم ولكل من يقرأني كتاباً مفتوحاً، سؤالاً جدياً:
هل يموت المرح والانطلاق والرغبة واللهفة والشوق والحب؟..
بعد المخاض العسير الذي مزقني كل الليالي الماضية، أجيب: لا، إن المرح لا يموت، والانطلاق لا يموت، والرغبة لا تموت، واللهفة لا تموت، والشوق لا يموت، وفوق ذلك الحب ومعه الحلم لا يموتان، لماذا؟
لأن كل تلك اللحظات بقيت هناك معلقة بغبار الماضي المختزن في ذاكرة كل منّا، الماضي المسجل على جدران القرية وأديم دروبها الضيقة..
لأن ذلك كله هو حبل واحد يتدلى من أبراج الحياة، وحينما تهب العواصف علينا، عواصف الواقع ويأسه، وعواصف العمر وجريه السافل إلى الأمام، فإننا لا نتخلى عن هذا الحبل، فهو ما يبقينا أحياء، مع إنه وهم!.
نعم هو وهمٌ، لأن الشوق واللهفة المرح والانطلاق والرغبة والحب والحلم، كانت.. جاءت ومضت، وأنتم وأنا قد كبرنا وفقدنا أشياء كثيرة، العمر يتقدم والطموح يتقلص، وبعدها نحاول تهدئة عواصف يأسنا إذا ما عرفنا الحقيقة، عبر القول: نحن واقعيون!.
شخصياً، لن أقوى على الألم، ألم الخيبة بعد كل هذه السنين، لذا قررت أن أظل حالماً.. لأقوى على العيش.
بقي شيء واحد يأست منه، سأحدثكم عنه لاحقا.
مارون مستنتجاً.
صباح الأحد 10- 2- 2008






said:




said:

said:




من البحرين