مارون الراس
هي لحظة تجلٍِ سماويٍ توازي "إنِّي أنا الله" استمرت مابين 48 ساعة وقيل ستة أيام.. بين 18 جنوبي ومئات الصهاينة بطائراتهم في الجو ومدرعاتهم على الأرض .. لكن كم غيَّرت هذه اللحظة لحظة مارون الرَّاس.
محاولة للإفاقة
لحظة فاصلة
رمان بحريني
 

لحظة فاصلة، ومنعطف حاد، هذه خلاصة اختمار الأفكار في رأسي، وتلاطمها فيّ، وقرعها لكل أجراس العقل والروح.

يزحف عمري في العقد الثالث، لكني كما الكثيرين لا زلت أرفض أن أًنزِلَ هذه الحقيقة منزل اليقين في فؤادي المضطرم.

تناقضٌ جلست ليال تقترب من عدد ليال الشهر القمري لتفكيكه وحلّه، ولد القمر وصار بدراً وتناقص كالعرجون القديم حتى مات، وها قد عاد ليولد قمر شهر جديد، وأنا لا أزال أحاول مطابقة واقعي مع مشاعري الحالمة، الأمر يبدوا من الاستحالة، كاستحالة إفراغ البحر في كأس صغير.

حالمٌ أنا، وهذه هي المشكلة، هكذا أرى نفسي، وهكذا  يراني أعز الأصدقاء: مرهون، محمد عبدالله، عادل مرزوق، عبدالإمام، حسين منصور، ندى الوادي، عارف، راشد، والديري، عقيل ميرزا، وباسمة، وآخرون ..

أعترف بمأزقي، لكن كيف لي أن أشرح وأن أدافع وأنا أعترف!.

أعترف أن مقاومتي العنيفة للإقرار واليقين، هي أن الإقرار والتنازل عن الحلم، سيخلف خيبة في صدري، ويعرف ألم هذه الخيبة من أعلنوا يأسهم وتوقفهم عن الحلم..

مشكلتي:

 إنني  أعرف – كما الكثيرين ممن لا يعترفون- وأعلن  بأني  أحاول وصل سنيّ المراهقة بسنيّ حياتي الباقية، أحاول أن أجر اللحظات خارج حدودها، أحاول أن أستبقي طعم المرح والانطلاق والرغبة والحب واللهفة والشوق إلى الأبد، أحاول إيقاف الزمن في اللحظات التي اخترتها،... وهذا محال!.

توصلت إلى هذه النتيجة، وكانت البارحة آخر ليلة أفكر فيها، وصلت الليل الذي نمت نصفه الأول بالصباح،

مشيت مع الضباب الخفيف، إلى مشارف الحي الذي ولدت فيه، تصفحت وجوه الرجال والنساء المتجهين لأعمالهم، رأيت الكثيرين وقد هدّ الزمن وجوههم وهدّل خدودهم..

 سألت نفسي: هل أنا مثلهم؟، وهل هم مستسلمون أم لا زالوا يحلمون؟. بيد أن الإنطفاء كان واضحا في وجوه بعضهم، فيما أحتفظ آخرون ببعض البريق حتى اللحظة.

وقفت على باب منزلنا الأول، حدقت في الممر الضيق الموصل  إليه، أخذتني قدماي حتى المزرعة التي كان يستأجرها زوج أختي رحمه الله، أصبح يحيطها الآن سور عالٍ يحجب مروجها عن الأعين..

أتذكر جيدا تلك المروج الخضراء الغنية، كانت تُنبت اللوز، والرمان، والتين، والتوت، والخيار، والطماطم،

أتذكر المرات التي جرحت أشواك أشجار الورد المحمدي -كما نطلق عليه- يديّ الصغيرتين، أتذكر أول لسعة  حارة تذوقتها من دبّور برتقالي على كتفي الأيمن.. أتذكر مراراً اختلاط قطرات دمي بأديم المزرعة..

فكرت في أن أتسلق السور والنظر إلى المزرعة الخضراء، تراجعت عن الفكرة، لعدم ملائمتها لما بت فيه من سن، عدت لمنزلنا الأول القريب صعدت فوقه ونظرت... لكني لم أجد المروج الخضراء، لقد تمت إزالة معظم المروج، ورُصِفت طرق تمر من فوقها سيارات فاخرة لبعض الفلل التي تحيط بها مساحة خضراء وبعض أشجار نجت من المجزرة!.

عدت ألفّ ممرات الحيّ، أنقر فوق ترابه بقدمي، كما كنت أفعل سابقا، ابتسمت وأنا أمرّ على منزل السيد حميد رحمه الله، الذي تعلمت على يد زوجته قرآءة القرآن، السيدة جليلة هكذا كان اسمها،  وأنا أجهل إن كانت هذه السيدة الفاضلة على قيد الحياة أم لا.

انتهت جولتي، وبدأت محاولةً  للإفاقة من الحلم، وإنزال اليقين إلى قلبي، حاولت أن أبلسم بعض جراح الخيبة في صدري..

وها أنا مجددا أسأل نفسي وكل من ذكرت أسماؤهم ولكل من يقرأني كتاباً مفتوحاً، سؤالاً جدياً:

هل  يموت المرح والانطلاق والرغبة واللهفة والشوق والحب؟..

بعد المخاض العسير الذي مزقني كل الليالي الماضية، أجيب: لا، إن المرح لا يموت، والانطلاق لا يموت، والرغبة لا تموت، واللهفة لا تموت، والشوق لا يموت، وفوق ذلك الحب ومعه الحلم  لا يموتان، لماذا؟
لأن كل تلك اللحظات بقيت هناك معلقة بغبار الماضي المختزن في ذاكرة كل منّا،  الماضي المسجل على جدران القرية وأديم دروبها الضيقة..

لأن ذلك كله هو حبل واحد يتدلى من أبراج الحياة، وحينما تهب العواصف علينا، عواصف الواقع ويأسه، وعواصف العمر وجريه السافل إلى الأمام، فإننا لا نتخلى عن هذا الحبل، فهو ما يبقينا أحياء، مع إنه وهم!.

نعم هو وهمٌ، لأن الشوق واللهفة المرح والانطلاق والرغبة والحب والحلم، كانت.. جاءت ومضت، وأنتم وأنا قد كبرنا وفقدنا أشياء كثيرة،  العمر يتقدم والطموح يتقلص، وبعدها نحاول تهدئة عواصف يأسنا إذا ما عرفنا الحقيقة، عبر القول: نحن واقعيون!.

شخصياً، لن أقوى على الألم، ألم الخيبة بعد كل هذه السنين، لذا قررت أن أظل حالماً.. لأقوى على العيش.

بقي شيء واحد يأست منه، سأحدثكم عنه لاحقا.

 

مارون مستنتجاً.

صباح الأحد 10- 2- 2008  



أضف تعليقا

اضيف في 10 فبراير, 2008 10:44 ص , من قبل علي البزاز
من البحرين said:

والله.. والله لقد قلت ما اعجز عن قوله وبحت بما اخجل عن بوحه مخافة اتهامي بالإيغال في التفكير بالماضي.. لقد بت أحس بأن كل شي أقابله غريب ولا صلة بينه وبيني.. على الرغم أني لم أتجاوز الثمانية وعشرين عاما.. الأشد إيلاما هو التفكير في ما سنكون عليه في شيخوختنا إذا ما واصلنا التفكير بهذه الطريقة.. ياترى هل سنفقد عندها الصلة بكل شي وستأخذنا العزلة الى ما نتجنبه وهو العزلة التامة؟..
تحياتي
الشقيق علي البزاز

اضيف في 10 فبراير, 2008 10:46 ص , من قبل علي البزاز
من البحرين said:

تعديل:
والله.. والله لقد قلت ما اعجز عن قوله وبحت بما اخجل عن بوحه مخافة اتهامي بالإيغال في التفكير بالماضي.. لقد بت أحس بأن كل شي أقابله غريب ولا صلة بينه وبيني.. على الرغم أني لم أتجاوز الثمانية وعشرين عاما.. الأشد إيلاما هو التفكير في ما سنكون عليه في شيخوختنا إذا ما واصلنا التفكير بهذه الطريقة.. ياترى هل سنفقد عندها الصلة بكل شي وسيأخذنا الشعور بالغربة الى ما نتجنبه وهو العزلة التامة؟..
تحياتي
الشقيق علي البزاز

اضيف في 10 فبراير, 2008 06:33 م , من قبل hmansoor
من البحرين said:

أيقنت أن لكل منا-نحن البشر- قدرة على التأثير ولكن من زوايا خاصة، تحمل شعورا ذاتيا خالصا يبتعد عن التصنع ويتجه نحو صياغة الذات في قالب واقعي لايخلو من السرياليةالحالمة، التي صنعت وتصنع معجزات الفن والأدب الذي يبعث على كل ما هو جميل، بعيدا عن الكلاسيكيات العائدة والتجريدية المبهمة، وهكذا عرفتك أنت بالتحديد يا مارون، وأيقنت أنني سأظل أعرفك بما عرفتك، لأن أي فهم آخر لك سوف لن يقود إلى فهم حالم، وهذا ما نرفضه، لأنك وإن اسهبت في الواقعية يوما تظل حالما أياما وأيام.

اضيف في 11 فبراير, 2008 06:21 م , من قبل حشد
من البحرين said:

الحبيب مارون ..
أنّى لي ومقام الماركيزيّة العظيم، لكنني لم أستوعب مقولتها بأن " أمراً حدث بمثل ذلك السوء في الحياة لا يُمكن له أن يكون جيداً في كتاب " لأنني أعتقد بأن الحياة وظروفها وفرحها وترحها ليست ملكاً لآحاد الناس بل لمجموعهم، وهنا إليك أنتهي يا مارون بذات التوصيف، فأنّى لي ومقامك النّقي الطاهر الشّفّاف، إلاّ أنني لا أستطيع أن أقبل ما ذَهَبت إليه، وأن أعيش على صدى هزيمة في معركة سيتغيّر ميزانها لصالحنا مهما كانت الظروف، الحُلم ليس حلاً لكنه أمل، والقناعة بالموجود ليس حريّاً بنا أن نقبلها لكنها واقع نقتات منه، ودون ذلك سنعيش تحت رحمة الحظ نأكل ما نجده وننام حيث يشاء الله، المهم من كل ذلك أن ننحت يومنا بهامش الخير الموجود، ونصيغ حديثنا بما يتيسّر من حروف وكلمات الإيجاب، ونؤمن بالنسيان أكثر من الذاكرة، النسيان الذي يُنسينا ما لا نحب، إنني أشدّ على يديك بأن تُبقي المرح بلا موت، والانطلاقة بلا موت، والرغبة بلا موت، واللهفة بلا موت، والشوق أيضاً، وفوق ذلك الحب ومعه الحلم لا يموتان، ولا تُقرّر أنها أضحت من الماضي، لأن الماضي صانع الحاضر، والحاضر صانع للمستقبل .

حشد

اضيف في 12 فبراير, 2008 08:09 ص , من قبل buterfly06
من البحرين said:

”كل من لم يكن من فصيلة السمك فانه يشبع من الماء“. جلال الدين الرومي
وكل من يشبع من (المرح والانطلاق والرغبة واللهفة والشوق والحب)، فهو ليس إنساناًَ.. نحن سمكة عطشى إلى هذا الماء، واليابس مواتنا..
أورد نفسك محلة الماء، وسترويك..
فراشة

اضيف في 12 فبراير, 2008 01:13 م , من قبل noono111
من البحرين said:

المرح والانطلاق والرغبة واللهفة والشوق والحب لا يموتون وكذلك هي الذاكرة التي تسكننا برغبة منا أو دون رغبة...

ذلك أن الزرع ينبت بين مفاصل الصخر

تحياتي

رباب

اضيف في 16 فبراير, 2008 07:33 م , من قبل hneenalrooh
من سوريا said:

الغالي مارون :
بوحك الحزين.. رهف وصدق احساسك
أتعبني جدا ربما لأني موغلة بالثلاثين
(هاجسي البغيض) ..
لم أظن يوما ان ذلك يشغل الرجال أيضا
آمل لك أياما لا ينقطع عنها الشوق واللهفة المرح
والانطلاق والرغبة والحب والحلم.....
فبدونها نكون أمواتا ..
الله يطول بعمرك ويسعدك يااااااااارب

اضيف في 24 فبراير, 2008 01:15 م , من قبل amaalelboraie
من مصر said:

مااجمل أن تتفاعل المتناقضات الشعورية مابين الواقع والإحساس فينتج هذا التناغم الخبراتى للحياه وهذا الثراء الشعورى الذى يعجز الكثيرون عن معرفة كنهه إذا ماواجهوه تحياتى لهذه المقدرة المفعمة بنبض الشعور الواعى المدرك لحقيقة الأمر آمال البرعى



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية