في الوقت الخطأ!

قبل البدء:
أدين باعتذار لصاحب القلب الكبير، الذي فتح لي خزانة أسراره، وقدم لي سر عمره، قدمه لي ذات ليلة، فسكبته حروفاً على الورق، سكبته نثراً أو قصةً، لا أعلم، لكني نشرت حكايته بل سرّعمره، باسم مستعار في الصحيفة التي كنت أعمل فيها، كتبت هذه الأحرف، في 22 أبريل – نيسان 2004، كنت أبكي وأنا أكتب، والآن ياصديقي عدت وقرأت ما كتبته عنك... وبكيت، فاعذرني ياصاحب القلب الكبير!.
صديقك: مارون
الحكاية:
جلسا على شاطئ بحر "أبوصبح" هو وصديقه. .. أخذ نفسا عميقا وهو فاتح ذراعيه تجاه البحر كأنما يريد أن يأخذه بين أحضانه... صديقه مازال مطرقا... انتظره حتى يأخذ أنفاسه بهدوء... وبعد مدة صمت سادت كأنها دهر... قال صديقه: قل لي ما بك؟
تغيرت ألوانه وتلألأت دموع طرية في عينيه... نظر إلى البحر بل التهمه بعينيه... أحس بضيق شديد في صدره ورفع رأسه ليرى القمر... كان بدرا تلك الليلة، قال في نفسه: سأتكلم... لابد لي، وإلا فإن صدري سينفجر فلم أعد احتمل.
وباشر من فوره: يا أغلى صديق لا أدري من أين أبدأ بالحديث، فكم هو مهم قبل أن تباشر عيونك التصفح في حروفي التي سأخطها على صفحات البحر، الذي باح له أجدادنا بآلامهم الدامية والحزينة، معرفة إنني ترددت كثيرا قبل أن أمنح نفسي فرصة لتفتح بابا من أمر لا أعلم كينونته ومنتهاه، لن أقول طلاسما، لكنني محتار في البداية... فالبدايات يا صديقي تعلن عن النهايات!.
ترقرقت من عينيه دمعة حارة لكنه لم يشعر بها، فنفسه كانت تشتعل بالنيران، فاستمر بصوت أشبه بالهديل: رفيق عمري لا بأس من فتح نافذة على الماضي لأنظر يتيما في الثالثة عشرة من العمر، فقد أباه مبكرا بعد مرض ممض، لينفتح بعدها باب من الشقاء الذي يعانيه معظم الأيتام... حرمان.. وفقر... وضياع للرؤية والمستقبل..
لم أكن أعرف ما أريده وما لا أريده، هكذا بقيت حتى نهاية الثانوية، لأعرف بعدها أن البطالة وخصوصا في تلك الفترة قبل انتفاضة التسعينات بقليل، كانت سما زعافا يأكل من عقل الإنسان وصحته ومشاعره الشابة المنطلقة بحيوية نحو الحياة والحب والأمل، ليل طويل من غربة الروح والبحث عن "أنا"، لم تطل تلك الفترة، إذ بعد أعمال بسيطة متناثرة هنا وهناك، اشتعل أوار الغضب لدى الناس فامتد لهيبه لي أنا الآخر، فكنت أحد من صرخ مع الصارخين في وجه الظلم وكنت ساعتها مخلصا يشهد الله على ذلك..
رأيت نفسي مشردا داخل بلدي لأشهر طويلة قررت بعدها بحسم، الظهور مجددا ، وفعلا عدت وكنت ذلك الفتى اليافع الذي تنتابه هواجس الموت في كل اللحظات فلم يكن في تلك الأيام أرقى من أن يقال إن فلانا استشهد، أشهر بعد العودة والتخفي الشديد، وقعت أسيرا، لم يطل الأمر توقيف لمدة عام ليصدر الحكم بالسجن لسنوات، رأيت بعدها "سجن جو المركزي" الذي طالما سمعت عنه حكايات وحكايات عرفت أنها حقيقة شاخصة بعد أن شاهدتها وعايشتها بالجسم والروح.
استمر هديله لي مع عزف الأمواج لحن حياته: المرحلة الأخرى كان عنوانها "الكتاب والعلم فقط وفقط"، فصديقك استمرت عيناه وروحه تغرفان من تلك الأوراق الكثير... الكثير، حتى حسب أن الكتاب جزء من جسده يصحو وينام وهو في يديه أو ملقيا على صدره، مرت حلوة أيما حلاوة ومريرة أيما مرارة تلك السنوات المديدة، ليرى رفيق عمرك بعدها نور الشارع والحياة ويستمتع بشغف إلى ضجيج الدنيا وصراخ الأطفال وضحكات الأم والأخوات والأصدقاء، أسرع إلى الجامعة التي حرم منها وأنهاها بنجاح باهر، وعاد يرصد بعقل جديد الحوادث، لم يتغير فيه شيء سوى سنه، فالشغف بالحياة والإنجاز والتأثير في هذا العالم...
عاد لنفسه: لقد أصبحت أقوى مما كنت سابقا، مضيت بسرعة لأشق طريقي لألحق الركب، حاولت التخلص من أية حواجز وهمية بداخل نفسي تجعل مني سلبيا، تعرفت على الكثيرين رجالا ونساء، لكن الروح لم تر روحا تنسكب معها وتتمازج كما يتمازج الماء بالماء فيصبح واحدا، كان ذلك هو الحنين الأهم.
شخص بصره وظل يحكي تجربته بصيغة الغائب: ظل شيء واحد يضغط على روحه وعقله كان عنوانه "الحب" لم يكن يشك أن بحورا من عواطف تتلاطم داخله، وان مراكبا وردية الأشرعة تنتظره لتأخذه إلى مرفأ يحط رحاله عنده ليقول له "أخيرا التقيتك"، كان هذا حلمه الباقي في هذه الحياة فما مر كان كله عبارة عن "كورسات" من العذاب الممض روحا وجسدا وأحلاما، العائلة لم يبق فيها أحد غيره لم يقترن، بقي لوحده وضغوط الأحاديث وإلحاح الأم والأخوات والإخوان والأصدقاء يزداد يوما بعد يوم، حتى لم يعد يتحمل سماع كلمة واحدة، نصحوه بأجمعهم بالزواج، عدا واحد فقط قال له اصبر فالاختيار صعب، وفي زحمة الدنيا وفي ذات يوم مشمس رأى شيئا وسأل عنه، قيل له الكثير، وسمع من الأوصاف ما ظنه ألحانا، ومن المدح ما حسبه زغردة في أذنيه... تراقص قلبه فرحا وقال: لقيتك، عزم وتوكل وتقدم لها فجاءته الموافقة، وهكذا قضي الأمر إذ أصبح بعدها مخطوبا...،
التقط أنفاسه المختلطة بسيل الدمع الهاديء: كعادة الأيام الأولى كانت مغلفة بالكثير من السعادة والخجل، مضت شهور، تغيرت حياتي يا صديقي كما تعرف، إذ أنهيت دراستي الجامعية، وبدأت في العمل في شركة مرموقة.
صمت عن الكلام، شعرت أن روحه تتمزق، كان يغالب البكاء، وأمواج البحر كانت تتلاطم بقوة، وكأن التوتر والترقب انتقل إليها، أردت إسكاته لكنه قال مصرا سأواصل الحديث: دخلت وبعد مدة قصيرة أصبحت أحد أعضاء ذلك المكان، وانطلقت حثيثا نحو ما كنت أطمح له من انطلاق وإنجاز وجدية، انغمرت مشاعره في بحر الطموح فكان لا يحدها شيء فالحكمة تقول "أنا قطرة في بحر... إذن أنا بحر".
قال إن المفارقة كمنت في أنه اكتشف مع الوقت أنه كلما غاص في ذلك البحر، تباعدت عوالمه مع فتاته التي أصبح مخطوبها، حتى بدا مرة أمامها كالغريب... ما السبب؟، لم يتأخر هو في البحث عن أسباب تجدد شعوره بالغربة، بحث وبحث في ليال كانت مضنية حتى اتسعت الهالات السوداء حول عينيه، اصطدم بالحقيقة، اكتشف أنها ليست هي!..
كان هذا ببساطة صفعة لكل أحلامه، وبعد مرحلة من الهبوط المعنوي الشديد، إذ كانت هي المرة الأولى التي كان يجد صعوبة في الرجوع، كان يقدس العلاقة الزوجية، وظلت تشيب روحه تحت وطأة فكرة "أنا الذي اخترت وليست هي"!..
كرُّ وفرُّ وجدلُ دائم بداخل روحه وعقله اللذين كاد ينفجر أحدهما، وتخرج الأخرى من جسده لكنها كما قال "للأسف لم تخرج"، إذ يبدو أن طريقا من العذاب ينتظره ليصل بذلك روحه مع مرارة السنين الماضية، هكذا نجح في معظم ما كان يريده إلا شيئا واحدا، فلهذا تتأرجح الآن كل أحلامه، ولم يتبق له سوى حلمه العملي الذي كان لابد أن ينتهي لولا... نعم لولا أنه "وجدها"!..
هناك تستريح... نعم كانت هناك في مكان "ما" بكل المواصفات التي تمناها، تملك روحا وثابة وثقة عالية بالنفس... ثقة ربما يخافها معظم الرجال لكنه لم يخفها...، كانت وردية الملامح، بل هي وردة، حاول مرارا التسلل بين أشواكها لكنه كان يقف، فينظر للوراء مرددا "أنا الذي اخترت وليست هي"!، كم هي مرّة هذه الفكرة!..
لذا كان يترجع مرة أخرى، وربما لهذا السبب ظل مستمرا، أو ربما لهذا اختار أن يظل حيا، اكتفى بأن يبقى بجانبها يشم عطرها يملأ أنفاسه منه، إلى أن يفترقا ليعود مرة أخرى ليستنشقه من جديد... لكني مضطر للاعتراف بأن قلبه كاد يقف أكثر من مرة عندما شك أن وردته ستقطف، ربما كان يعيش خيالا ووهما، المشكلة فيه انه اقتنع بأنه "اختار ولا تراجع ففي ذلك ظلم، لكنه في داخله مظلوم لا يدري من ظلمه؟..
ردّد لي وروحه تتعذب: إن هذا السؤال يقتلني ولا يزال. من الذي ظلمني؟، أهو تلك العواطف الساذجة التي دفعتني لا شعوريا للاقتران بسرعة أم ماذا؟، هنا لابد من إيضاح يا صاحبي، إذ قررت أنا المعذب أكثر مرة خلال الأيام الماضية أن أغير من مشاعري واتجاه عواطفي الملتهبة، فكنت جادا في ذلك إذ كان ذلك نتاج نصيحة وجهت لي، محاولاتي المستميتة فشلت فشلا ذريعا، حاولت مرات ومرات، قسوت وزعلت، توددت حتى بكيت!، ورضيت وتحاملت على نفسي، لكن الحقيقة هي هي واحدة لم تتغير... لم يتغير شيء...
***
وهكذا أصبحت روحه تبتعد يوما بعد يوم على رغم قرب الجسد مع خطيبته، إنه شعور قاتل.. لا يعرفه سوى هذا المسكين الذي يقبع على الساحل طوال الليل بلا إحساس، إذ إن أسبابا متداخلة بل ومتناقضة تدفعه لذلك أولها طموحه الذي يبقيه على قيد الحياة، وثانيها الهروب من واقع يميته البقاء فيه طويلا، إذ إن روحه لم تمتزج وقرينته التي تحمل قلبا يحمل كما هائلا من الطيبة والمحبة لكن المشكلة فيه هو لا فيها، فهو الذي لم يألف لا هي..
لاشيء في يده الآن، سوى الاعتراف بأنه وجد من يعتقد بأنها "هي" ولكن... بعد أشهر... نعم فقط كانت عدة أشهر بينه وبين ما تمناه أيام مراهقته وأيام بطالته وتشريده وسجنه، فقط أشهر كانت كافية لأن تقضي عليه، فأصبح غير حر في قراره، وغير عارف لما يجب عليه فعله، ربما أظهر وده لتلك الوردة مرارا، وظل كنحلة يحوم بقربها، ومن المؤكد أن أشواكها التي ارتفعت مرارا في وجهه، كانت صداً لتسلله المثير بلا شك لقلق الزهرة البرية.
ما هي خياراته؟، أليس غباء أن يحدث كل ذلك؟، ثم أليس ظلما أن يفكر هو في هذا الأمر بينما وهبت أخرى له كل حياتها؟، أم انه أمر طبيعي الحدوث؟، إذ إن كل إنسان لابد له من نسخة في الطرف المقابل وإذا وجدها حدث التجاذب، هل يمكن الجمع؟، أم لابد من التفريق؟، هل سيمكنه البقاء هكذا طويلا؟، أم ماذا؟!، والأهم من ذلك هل ان القرار في يده، فلو اتخذ خيار الجمع بين "اختارها بنفسه، وحمل نفسه مسئولية ذلك"، وبين وردة أحلامه، هل سيكون قرار ذلك في يده؟.. أليست تلك الزهرة هي صاحبة القرار؟..
فلهذا بقي متردداً، إذ ربما كان البقاء في عالم الأحلام والمشاعر والاحتمالات الكثيرة أسهل من الاصطدام بـ "لا" تنهي البقية الباقية من أحلامه، وربما كان البقاء هكذا معناه الموت البطيء بل موتا مفاجئا حين تمتد يد أحدهم وتبتسم له الوردة فيقطفها ويرحل!!...عندها تكون نهاية ربما أعلنتها البدايات حينما فصلته عنها أشهر فقط وربما أقل من ذلك..
هل يعلن مشاعره أم يصمت؟، أخيرا راودته فكرة الإعلان عن مشاعره والبوح بقصته كاملة وإرسالها لها من دون انتظار رد، لكن هل سيكون له ذلك؟، والسؤال الأكبر هل ستتحمل هي ذلك أم ستغضب؟، وهل ستعتبره مخطئا ذا أدب قليل؟ ألا نقر كبشر بأن الإنسان ربما يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها معاندة إحساسه؟... خصوصا مع وصفه لمشاعره بالقول "كان إحساسا صافيا تدفق من روحي وملأها حتى فاضت"!.
مع الكلمة الأخيرة انفجر بالبكاء حتى تنبه بعض من يجلسون بعيدا عنه وعن صديقه، وفجأة صرخ بأعلى صوته الذي تقطع في فضاء ساحل أبو صبح: لقد وجدتها... نعم لقد أحببتها... ولكن في الوقت الخطأ!.
مارون
(*) ساحل أبوصبح، هو ساحل يقع في قرية الدراز الواقعة شمالي البحرين، ويطل هذا الساحل على المملكة العربية السعودية، إذ يمكن في المساء رؤية أنوار المصابيح على الساحل السعودي في المنطقة الشرقية هناك.
(*) ضع الماوس على الصورة أعلاه.