من خلف نافذة زبير..
إلى أبناء القبائل والعوائل" أ" "ب" " ج" "ن" "س" "ص".. إلخ!
أما أنا، فإذا ما تعلق الأمر بالتسعينات، فلست قادرا على ترميز الأحرف وطلسمتها، بل على إيضاحها حدّ العري والتهتّك..
كنت أنظر لأحوال وطني، من أمكنة أخرى ونوافذ أخرى،
نافذة زبير،الآسيوي الذي يبيع " السبموسة"*.. أنتظر مرور الحبيبة الأولى
نافذة سيارة الباص سعة نحو خمسين راكبا، الذي كان ينقلنا الى المدرسة.. كنا تسعون تلميذا.. متكوّمين
نافذة الطائرة التي اقلتني لبلد مجاور بعد أن اصبحت "مطلوبا"، بتهمة "المطالبة بالبرلمان"
نافذة الشاحنة التي رجعت بها إلى البحرين "مهما كان الثمن"..
نافذة منزل قديم بقيت فيه شهورا، أخرج ليلا للتظاهر
نافذة صغيرة في سجن "جو" المركزي لمدة خمس سنوات
كنت ارى منذ البداية.. منذ الطفولة..
من يتحدث ضد صدام حسين يذهب للسجن
من يتكلم أو يكتب عن الحكومة يذهب للسجن
وقبله يمر بـ"المسلخ"..
من يعترض يبقى فقيرا طوال عمره ويرث ابناؤه فقره
من ينتمي لطائفة "معينة" فهو مهمّش ومقصيّ حتى آخر الشوط
لماذا؟!
سؤال يحمل صاحبه إلى السجن..
أو إلى اقرب طائرة متجهة للخارج، بعد مصادرة جواز سفره منه
ليبقى بدون جنسية، يعاني الهوان والتشتت!
أما "الآخرون" من أبناء "الطوائف" و"العوائل"
فكان آباؤهم حينها ولا زالوا
يلحسون حذاء الأمير أو الملك لا فرق!
يباركون سلخ السائلين عن المستقبل
عن الدولة الحديثة
عن الديموقراطية
عن التوزيع العادل للثروة
عن حقوق المرأة
عن حق المسائلة والرقابة
وحق المشاركة في القرار السياسي والخدميّ
لذا كنت أنا أنظر من نافذة سجن "جو" المركزي،
وقبله نوافذ زبير الذي لم أحتقره يوما، والباص المتهالك، وطائرة الهروب
وشاحنة العودة، ومنزل الاختباء.. وكوّة السجن..
وذلك في الوقت الذي كان أبناء الآخرين
ينظرون من نوافذ:
"دجاج كنتاكي"..
المرسيدس المتجهة بهم للمدرسة
البوينغ المتجهة بهم إلى باريس أو لندن أو جنيف لتمضية شهور الصيف
يتأملون عالمي وعالم أمثالي من وراء زجاج نوافذ "الكافيه" هناك
يقرأوننا "مخرّبين" على صفحات "الحياة" أو "الشرق الأوسط"
يتأملوننا من بُعد ببلادة المستفيق من سكره
رغم إنا على مبعدة أمتار من وطنهم
يقرأوننا عبر مقالات العرب المقيمين في لندن
حازم صاغية وآخرون..
لم يأتوا طوال النصف الثاني من التسعينات
لمعاينة الجنائز التي كنا نرفعها كل أسبوع
وملامسة جدران المنازل شبه الخالية إلا من النساء
فالرجال في "جو" أو.. القبر!
أولو كانوا يقتربون من "الداخلية" في طريقهم إلى شارع المعارض
.. لاستمتعوا وسمعوا
صرخات المعذبين في جحيم "القلعة"
طوابير الطالبات زيارة أزواجهن، ابنائهن، أو آبائهن، أو إخوانهن..
الإهانات لهنّ، اغتصاب بعضهنّ!
نأسف
فحازم صاغية ورفاقه لم يكتبوا لكم ذلك..
أما الآن
فنحن صبرنا/ جاهدنا/ ناضلنا ... وانتزعنا
حقنا في أن نتكلم ونكتب ونسأل .. نصرخ علنا:
طز في صدام حسين والأنظمة التي اتبعته وأيدته
أما حكومتنا فهي فاشلة فاسدة
ولماذا يعطى أبناء العائلة الحاكمة نحو نصف المقاعد الوزارية؟
ولماذا يتم التمييز بين المواطنين على اساس قبلي أو عرقي
ولماذا لا يكون هناك تداول سلمي للسلطة بين الأحزاب السياسية؟
ولماذا يقدم الملك وعودا ولا يفي بها، ألا يعني ذلك أن وعوده تساوي صفراً!؟
لحظة! ..
لم ننتهي بعد
سنظل نطالب
ببرلمان منتخب كامل الصلاحيات
في التشريع والرقابة والمسائلة
أعني مسائلة رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، وكل وزرائه ..
وأيضا
سيظل آباء "العوائل" و"القبائل"
يلحسون حذاء الملك وينافقونه
ويطالبون بقمعنا وإسكاتنا وسلخنا
وسيظل أبناؤهم ينظرون لنا شزراً من "كافيهات" باريس أو لندن
يقرأوننا عبر "الحياة" أو "الشرق الأوسط"!
مجددا .. نأسف
فلن يكتب لكم حازم صاغية ورفاقه المرتزقة ذلك..
ونأسف إن كنا لا نطيق، ولا نهتم، لنظراتكم، وآرائكم، ومشاعركم الباردة
مارون
(*) السمبوسة هي أكلة هندية معروفة، مثلثة الشكل، ومرغوبة جدا عن البحرينيين وبعض الخليجيين.